لؤي كيالي الذكرى الـ85 لميلاد لؤي كيالي كيالي لؤي ليس حسب رأي الأطباء بدءا من طلب عمه الطبيب طه اسحق كيالي في 30/5/1970 الذي أحاله الى مشفى الدويرنية للعلاج لأن لؤي يعاني من داء انفصام، ومن ثم الى طلب الطبيب بشير الكاتب الذي قرر في 6/3/1973 ونظرا لخطورة الوضع العصبي للسيد لؤي كيالي بأن يوضع في المستشفى وفي حجر تحت الرقابة الطبية بناء على طلب مقدم من عمة لؤي قدرية كيالي (تولد 1904). الى ان قرر عبد الخالق سلطان بناء على استغاثة من صهر لؤي الذي كتب في طلبه في 3/3/1973 الى مدير مشفى الأمراض العقلية بحلب بأن يقبل دخول لؤي اليها لأنه صار يشكل خطرا على المحيط والجوار.
لؤي حسب رأيه لم يكن مجنونا رغم كل هذه التقارير والطلبات التي راحت تثبت جنونه، ولا هو انتحر لؤي ضيّقنا عليه لقد ضيقنا عليه حين حرقنا أحلامه حلما حلما وصار يتفرج عليها ولا يقدر ان يفعل شيئا، ما دفعه لأن يشتغل جلادا لحواسه، وصار يكذب عليها، ولما عرفت انه كذاب صار يوقظها بالخمر ويخدرها بالرسم.
فاليوم
لما دخلت عليه في غرفته بمشفى الجامعة بحلب صبيحة اليوم الذي احترق فيه (أصابت السيجارة التي سقطت من يده وهو في فراش النوم في منزله بعد أن تناول حبة فاليوم 10 وتخدر مقتلا، حين أحرقت ما بين السرة والفخدين) قال لي: أنور أنا لم أنتحر. كان معي الناقد صلاح الدين محمد والشاعر الراحل حامد بدر خان، ثم إني لست متوحشا. لؤي كلام لؤي هذا وكل رسوماته تشهد على أنه يملك قوة عقلية سليمة، قوة بطولية تعيش لحظة صحو ذهني. قد يكون عنده شذوذ فكري خبث فكري فيمارس، يقترف خطايا صغيرة كي يوقعنا في شرك الخطايا الكبيرة. ثم إن من يقرأ سلوكه أو يدرس أعماله لا يجد أي أثر لجنون شكل أو يشكل خطراً على حياة المحيطين به، كما حدث لفان غوغ وكان لؤي كيالي يحب أعماله مثلما كان معجبا بحياته الذي قد نلحظ أثر مرض الصرع عليه، ثمة دراما /صراع نلحظه بين ألوانه وفي تعابير الوجوه والازهار والكراسي التي رسمها، إنما من الصعب ان نرى عند لؤي أي أثر لمرض الصرع في لوحاته، قد نرى انفجارا للأحاسيس هو كان يقول: الفنان المثقف وحده الذي تولد عنده انفجارات عنيفة لأحاسيسه، ومعرضي <في سبيل القضية> عام 1967 وقبل حرب حزيران بشهر واحد هو انفجار عنيف، لكنه العنف الخصيب المخصب لعملية خلق جديدة، كنت أرى الهزيمة قبل وقوعها وقبل معرضي هذا، ذلك في لوحتي <ثم ماذا> والتي رسمتها عام .1965
لؤي كان يعيش لحظة يقظة، واليقظة أخت الحلم. أشخاصه الذين رسمهم (ماسح الاحذية، بائع الذرة، مرمم الشباك، بائع العلكة، بائع المسبحة، الغسالة، الأم. بعدد من الوضعيات، قاطفو القطن، بائع اليانصيب، المسيح،.. الخ) دائما هم في لحظة حلم. أما إذا كان لؤي قد جن، وأصر على ذلك عمّه طه اسحق الكيالي وعمته قدرية كيالي وغيرهما ممن طلب الحجر عليه في مشفى الأمراض العقلية بحلب مرارا ومرارا، فإنه جن لأنه كان فريسة لديكتاتور كان يحرق أحلامه ويمثل بها أمام عينيه، ولأنه (لؤي) كان يظهر غضبه ورضاه، فيقول نعم أو لا دون حسابات أو خوف من أحد، وهذه رؤيته. المجنون له رؤية يحرر فيها عقله من الجنون، من جنوننا نحن العقلاء.
ضد فكرة الموته
هكذا فعل من قبل نيتشه وبودلير وفان غوغ الذي دخل في غيبوبة ذهب فيها الى أقصى درجات الجنون. ثم ان المجنون لا يمكن أن يمارس أو أن يعيش طقسه الابداعي فيرسم أو يكتب، لا بد من لحظة يحلم فيها تساعده ليبدع ويبدع. فالجنون يضرب الخلايا المبدعة في الجملة العصبية ويبيدها، فلا يقدر العبقري على فعل، على إنتاج نصه كما حصل لنيتشه عندما دخل مشفى الامراض العقلية وانتهت حياته الفكرية. ثم انه ليس ضرورياً أن يُصاب الانسان بالصرع ليصير عبقرياً مثل فان غوغ او ديستويفسكي برأيي ان غوغ وديستويفسكي طالما أخرجا المجانين الذين كانوا يسكنون في عبقريتهما وفي اللوحات وفي الروايات التي أنجزاها، والى الآن ما نزال نحاول أن نعقلنهم. حاولنا قتلهم لنتخلص منهم ولم يموتوا.
لؤي كيالي كان ضد فكرة الموت، صحيح ان الموت هو يقين رياضي، ودرس من دروس الكيمياء الدامية، لكن الحياة واقع، حقيقة نعيشها، وما من أحد جرب الموت وشرح لنا ماهيته لنروح اليه بذاك الورع الذي يذهب اليه اليوم أبطال (حماس) في عملياتهم الاستشهادية، أو من قبلُ الطيارون اليابانيون في الحرب الثانية. لؤي وحسب ملفه الطبي في مشفى الأمراض العقلية بحلب لم يكن في حالة سبات، كان في يقظة دائمة. السبات عبودية، واليقظة حرية. وفقط شخص واحد، ذات واحدة انتصرت لكرامة الفنان في محنته هذه محنة لؤي حين تم الحجر عليه في مشفى الأمراض العقلية هو (بكري الناصر) مدير الثقافة حينها في حلب، إذ وجه كتابا الى المحافظ يطالبه فيه عدم معاملة لؤي كيالي الفنان التشكيلي والمدرس بجامعة دمشق كلية الفنون الجميلة بصفته مجنونا. فللفن كرامة، لحواس الفنان كرامة يجب أن نوليها عظمة روحية. والمحافظ بدوره وبشكل روتيني يحيل الطلب الى مدير مشفى الأمراض العقلية بحلب للاهتمام بكرامة الفنان؟!
من قبل، وقبل أن يحترق لؤي، ثمة حرائق كانت تشتعل في عقله المتيقظ: ما الذي يحشر العبيد العبيد السوقة للدخول في معركة كلا الطرفين المتحاربين فيها يستعملهما حطبا، يستعملهما وقودا من أجل ان ينتصر؟ لؤي وأجزم: لم ينتحر. ليس دفاعا عن أحد. ثم كيف ينتحر وهو الذي يقول: لقد قهرتني الأنظمة الشمولية التي تحكمنا، وإذا ما انفجرت أحاسيسي ذات يوم في وجهها لقد حدث مثل هذا الانفجار حين رسمت: في سبيل القضية، وثم ماذا، ومن تحت الأنقاض فإنني أكون قد خرجت من حالة الغرق في الحياة الحسية.